Thursday, August 6, 2020
6:04 AM
   
 
ملفات خاصة
 
تاريخ الخلافات اليونانية التركية
  الأربعاء 09 ديسمبر, 2015  
   


اعداد-  شيماء ابراهيم

مقدمة:

ترتبط الخلافات اليونينة التركية بالسياق الجغرافي السياسي لهذا الصراع بتقسيم الدولة العثمانية والذي كان نتيجة مباشرة للحرب العالمية الأولى، ومشاركة العثمانيين في مسرح الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط. تلقت اليونان أمراً باجتياح سميرنا (إزمير) من قبل الحلف الثلاثي كجزء من التقسيم. خلال هذه الحرب، انهارت الدولة العثمانية تماماً، وقسمت أراضيها بين تحالف القوى المنتصرة وانتهت بالتوقيع على معاهدة سيفر في 10 آب سنة 1920.

كان هناك العديد من الاتفاقات السرية بشأن تقسيم الدولة العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى. بينما رمى التحالف الثلاثي وعوداً متناقضة حول ترتيبات ما بعد الحرب فيما يخص مصالح اليونان في آسيا الصغرى.

في مؤتمر باريس للسلام سنة 1919، ضغط إلفثيريوس فينيزيلوس بقوة للحصول على هيلاس (اليونان) موسعة (في فكرة ميغالي) والتي من شأنها أن تشمل المجتمعات اليونانية الكبيرة في إبيروس الشمالية، تراقيا، وآسيا الصغرى. كان الحلفاء الغربيون، وخاصة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج، قد وعدوا اليونان بمكاسب إقليمية على حساب الدولة العثمانية إذا دخلت اليونان الحرب في صف الحلفاء. وشملت هذه المكاسب تراقيا الشرقية وجزر إمبروس (جوكسيدا) وتينيدوس (بوزكادا)، وأجزاء من غرب الأناضول حول مدينة سميرنا، أغلب سكانها من العرقية اليونانية.

وقعت كل من إيطاليا وفرنسا وبريطانيا على اتفاقية سانت جان دي مورين في 26 نيسان 1917، والتي رسمت مصالح إيطاليا في "الشرق الأوسط". تجاوز الاحتلال اليوناني لمنطقة إزمير (سميرنا)، والتي عهدت لإيطاليا ضمن الاتفاقية المذكورة، منطقة النفوذ الإيطالي. قبل الاحتلال اليوناني ثار غضب الوفد الإيطالي في مؤتمر باريس للسلام، بسبب إمكانية احتلال اليونان لغرب الأناضول الغربية، وترك المؤتمر ولم يعد إلى باريس حتى الخامس من أيار. أدى غياب الوفد الإيطالي عن المؤتمر إلى تسهيل جهود لويد جورج لإقناع كل من فرنسا والولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب اليونان ومنع العمليات الإيطالية في غرب الأناضول.

ووفقا لبعض المؤرخين، كان الاحتلال اليوناني لإزمير الشرارة التي أنشأت الحركة الوطنية التركية. يقول أرنولد توينبي على سبيل المثال ما يلي:

الحرب التركية اليونانية (1919–1922) إن الحرب بين تركيا واليونان والتي اشتعلت في هذا الوقت كانت حرباً دفاعية لحماية الأرض التركية في الأناضول. وكان نتيجة لسياسة التحالف الإمبريالية في دولة أجنبية، لم يعطها التحالف حقها في تقدير مواردها وقواها العسكرية. استفزت هذه القوة من قبل الغزو والاحتلال غير المبرر للجيش اليوناني.

الحرب التركية اليونانية (1919–1922)

والمعروفة أيضًا باسم الحرب في آسيا الصغرى أو الحملة اليونانية في حرب الاستقلال التركية أو نكبة آسيا الصغرى، هي عبارة عن سلسلة من الأحداث العسكرية التي جرت خلال تقسيم الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى بين أيار 1919 وتشرين الأول 1922. دارت الحرب بين اليونان والثوريين الأتراك من الحركة الوطنية التركية، التي قادت في وقت لاحق إنشاء جمهورية تركيا.

بدأت الحملة اليونانية بتشجيع من حلفائها الغربيين، وخاصة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج الذين وعدوا اليونان بمكاسب إقليمية على حساب الدولة العثمانية. انتهت الحملة بتخلي اليونان عن كل الأراضي التي اكتسبتها خلال الحرب، والعودة إلى حدود ما قبل الحرب، والانخراط في عملية تبادل السكان مع الدولة التركية في إطار الأحكام الواردة في معاهدة لوزان.

أجبر فشل كافة الحملات العسكرية المنفصلة من قبل اليونان، وأرمينيا، وفرنسا ضد الثوار الأتراك الحلفاء على التخلي عن معاهدة سيفر، وبدأ التفاوض على معاهدة جديدة في لوزان بدلاً من ذلك، اعترف فيها الحلفاء باستقلال الجمهورية التركية وسيادتها على تراقيا الشرقية والأناضول والأقاليم السورية الشمالية.

القومية اليونانية

من بين الدوافع الوطنية الأساسية لبدء الحرب تحقيق فكرة ميغالي، وهي جوهر مفهوم القومية اليونانية. كانت فكرة ميغالي رؤية وحدوية لاستعادة اليونان الكبرى على جانبي بحر إيجه وهذا من شأنه دمج العرقية اليونانية خارج حدود المملكة اليونانية والتي كانت في البداية صغيرة جداً. منذ الاستقلال اليوناني عن الدولة العثمانية في عام 1830، لعبت فكرة ميغالي دوراً رئيسياً في الحياة السياسية اليونانية. قام الساسة اليونان، ومنذ استقلال الدولة اليونانية، بالعديد من الخطب التي خلصت إلى حتمية "التطور التاريخي للمملكة اليونانية".على سبيل المثال، صرح السياسي اليوناني يوانيس كوليتيس بهذا الاعتقاد في البرلمان في 1844، حيث قال: "يوجد مركزان رئيسيان للهيلينية. أثينا عاصمة المملكة والقسطنطينية العاصمة الكبيرة، المدينة، والحلم والأمل لجميع اليونانيين".

لم تكن هذه الفكرة مجرد نتاج بروز القومية في القرن التاسع عشر. فقد كانت في أحد جوانبها ضاربة في جذور الوعي الديني لدى الكثير من اليونانيين. يشمل هذا الجانب استرداد القسطنطينية المسيحية، وتأسيس الإمبراطورية البيزنطية المسيحية العالمية والتي سقطت عام 1453: "منذ ذلك الوقت تُسلّم فكرة استرداد آيا صوفيا والمدينة من جيل إلى جيل لكونها مصير وتطلعات اليونان الأرثوذكس".شملت فكرة ميغالي إضافة إلى القسطنطينية معظم الأراضي اليونانية التقليدية مثل كريت، ثيساليا، إبيروس، مقدونيا، تراقيا، جزر بحر إيجه، قبرص والأراضي الساحلية في آسيا الصغرى وبونتوس على البحر الأسود. كانت آسيا الصغرى جزءاً أساسياً من العالم اليوناني ومنطقة تابعة للهيمنة الثقافية اليونانية الدائمة. سيطرت الدول المدن اليونانية على معظم المنطقة سيطرةً سياسية منذ العصر البرونزي، وفي وقت لاحق انتقلت هذه السيطرة إلى الإمبراطورية البيزنطية واستمرت إلى القرن الثاني عشر عندما وصلت غارات السلاجقة الأتراك إلى تلك الأراضي.

على الرغم من أن حملة الأناضول يساء تصنيفها غالباً في ظل مفاهيم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى على أنها حرب فتوحات، فإنها ومن وجهة نظر القومية اليونانية في القرن التاسع عشر كانت مجرد حرب تحرير لتخليص "شقيق مستعبد"، ولا تختلف كثيراً عن حروب البلقان الأخيرة. في رسالة إلى الملك اليوناني قسطنطين والتي يرجع تاريخها إلى كانون الثاني من سنة 1915، كشف فينيزيلوس عن آماله المستقبلية في ضم أراض من تركيا ومجادلاً بأنه: "لدي انطباع بأن التنازل لليونان عن آسيا الصغرى... سيكون واسع النطاق حيث ستبرز يونان كبيرة أخرى لا تقل غنى وستضاف إلى اليونان المضاعفة التي خرجت منتصرة من حروب البلقان"

مذابح اليونان بحق الأتراك

كتب المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي عن فظائع ارتكبت منذ الاحتلال اليوناني لإزمير في 15 أيار سنة 1919. ذكر توينبي أيضا أنه وزوجته شهدا على الفظائع التي ارتكبها اليونانيون في يالوفا، جمليك، وإسميد كما أنهما لم يحصلا فقط على أدلة مادية وفيرة في شكل "منازل احرقت ونهبت، جثث حديثة، وناجين مرهبون" إنما شهدوا أيضاً أعمال نهب من قبل مدنيين يونانيين وحرائق تسبب بها جنود يرتدون الزي العسكري.كتب توينبي يقول:

ما أن نزلوا حتى بدأت حرب لا هوادة فيها ضد الشعب التركي، ولم يكتفوا بارتكاب الفظائع وفقاً لطريقة الشرق الأدنى، لكنهم رموا النفايات في وادي ميندر الخصب، وأجبروا الآلاف من الأتراك المشردين على اللجوء إلى ما وراء المناطق المحتلة. 

ذكر المؤرخ تانر أكام أن ضابطاً بريطانياً ادعى:

تأسست القوى الوطنية فقط لغرض قتال اليونانيين... الأتراك على استعداد لأن يكونوا في ظل سيطرة أي دولة أخرى... لم يكن هناك أي مقاومة منظمة خلال فترة الاحتلال اليوناني. ومع ذلك، فإن اليونانيين أصروا على القمع، واستمروا في حرق القرى وقتل الأتراك واغتصاب وقتل النساء والفتيات، وخنق الأطفال حتى الموت.

ذكرت لجنة مشتركة للحلفاء في شبه جزيرة يالوفا - جمليك، في تقريرها الوارد بتاريخ 23 أيار 1921، خلال فترة الاحتلال اليوناني لغربي الأناضول، ما يلي

يبدو أنه كان هناك طريقة مميزة ومنتظمة متبعة في تدمير القرية تلو الأخرى، خلال الشهرين الماضيين، والتي وصلت حتى تدمير الأحياء قرب مقر القيادة اليونانية. يعتبر أعضاء اللجنة أنه في كازاس من يالوفا – جمليك المحتلة من قبل الجيش اليوناني، توجد خطة منهجية لتدمير القرى التركية والتخلص من السكان المسلمين. يجري تنفيذ هذه الخطة من قبل العصابات اليونانية والأرمنية، التي يبدو أنها تعمل وفقاً للتعليمات اليونانية وأحياناً بمساعدة من القوات النظامية. 

ذكرت هذه اللجنة أيضاً أن تدمير القرى واختفاء السكان المسلمين قد يكون هدفه إنشاء حالة سياسية في المنطقة مواتية للحكومة اليونانية.كتب م.غيري، ممثل الصليب الأحمر في جنيف الذي رافق لجنة الحلفاء المشتركة التالي:

استُخدم جيش الاحتلال اليوناني لإبادة السكان المسلمين في شبه الجزيرة يالوفا – جمليك. تشمل الوقائع الثابتة حرق القرى، المذابح وإرهاب السكان، تزامن المكان والزمان لا يترك مجالا للشك في هذا الخصوص. الفظائع التي شهدناها، أو التي شهدنا أدلة مادية عليها، قامت بها عصابات مسلحة غير نظامية من المدنيين (تشيتي)، ومن وحدات من الجيش النظامي... وبدلاً من تجريدها من السلاح وتفكيكها، تعاونت هذه العصابات في أنشطتها جنبا إلى جنب مع وحدات من الجيش النظامي. 

كتب أرنولد توينبي أنهم حصلوا على دلائل مقنعة على فظائع مماثلة بدأت في مناطق واسعة في جميع أنحاء الأراضي المحتلة من قبل اليونان منذ حزيران عام 1921. كما كتب توينبي: "أقرب ما يمكن وصف وضع الأتراك في مدينة سميرنا دون مبالغة أنهم محكومين حكمًا إرهابيًا، يمكن الاستدلال أن المعاملة التي يلقونها في مقاطعات البلاد قد ازدادت سوءاً بشكل نسبي"

المذابح التركية بحق اليونان والأرمن

ذكرت العديد من الصحف الغربية تقارير عن انتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات التركية بحق المدنيين المسيحيين اليونان والأرمن بشكل رئيسي. ذكر المؤرخ البريطاني توينبي أن القوات التركية تعمدت إحراق العديد من المنازل اليونانية وصب البنزين عليها والتأكد من دمارها كلياً.ظهرت مذابح على طول الفترة الممتدة بين سنة 1920 وسنة 1923، خلال حرب الاستقلال التركية، وخاصة من الأرمن في الشرق والجنوب، ضد اليونانيين في منطقة البحر الأسود. كما لوحظت استمرارية كبيرة بين منظمي المذابح بين سنة 1915 وسنة 1917 وسنتيّ 1919 و1921 في شرقي الأناضول.

وفقاً لصحيفة التايمز اللندنية: "قالت السلطات التركية صراحة بأن نيتهم المتعمدة التخلص من جميع اليونانيين، ودعمت أعمالهم أقوالهم"، بينما كتبت صحيفة بلفاست الإخبارية: "إن الحكاية المروعة من الوحشية والبربرية التي يمارسها الأتراك الآن هي جزء من سياسة منهجية لإبادة الأقليات المسيحية في آسيا الصغرى.". وفقاً لصحيفة كريسشان ساينس مونيتور، شعر الأتراك بالحاجة إلى قتل الأقليات المسيحية بسبب التفوق المسيحي من حيث الاجتهاد وبالتالي الشعور التركي بالغيرة والدونية، كتبت الصحيفة: "كانت النتيجة تولد مشاعر القلق والغيرة في نفوس الأتراك مما دفع بهم في السنوات اللاحقة إلى الشعور الإحباط، حيث يعتقدون انهم لا يستطيعون التنافس مع رعاياهم المسيحيين في فنون السلام وبأن المسيحيين واليونانيين خاصة مجتهدون ناجحون ومتعلمون مقارنة بمنافسيهم، لذلك من وقت لآخر يحاولون جاهدين على تصحيح التوازن عن طريق الطرد والمذابح، كان هذا حال الأجيال السابقة في تركيا ولكن القوى العظمى قاسية وعديمة الحكمة ما يكفي لمحاولة تكريس سوء الحكم التركي تجاه المسيحيين".

قال الحاكم التركي، أبو بكر حازم تيبيران، في مقاطعة سيواس في عام 1919، ان المجازر كانت رهيبة حتى إنه لم يستطع تحمل الإبلاغ عنها. وكان يشير إلى الفظائع التي ارتكبت ضد اليونانيين في منطقة البحر الأسود، وفقاً للإحصاءات الرسمية فقد قتل 11,181 من اليونانيين في عام 1921 من قبل الجيش المركزي تحت قيادة نور الدين باشا (الذي اشتهر بانه قتل المطران كريسوستوموس). طالب بعض نواب البرلمان بإعدام نور الدين باشا وتقرر تقديمه للمحاكمة على الرغم من أنها ألغيت لاحقاً لتدخل مصطفى كمال. كتب تانر أكام أنه وفقاً لإحدى الصحف، أن نور الدين باشا اقترح قتل جميع السكان اليونانيين والأرمن المتبقين في الأناضول، وهو اقتراح رفضه مصطفى كمال.

ووفقا لصحيفة الاسكتلندي، في 18 آب 1920، في مقاطعة فيفال من كرم أوصال، وجنوب شرق إسميد في آسيا الصغرى، ذبح الأتراك 5,000 من المسيحيين. إضافة إلى ذبح اليونان تعرض الأرمن لمجازر الأتراك، استمراراً لسياسات الإبادة الجماعية للأرمن من عام 1915 وفقا لكثير من الصحف الغربية.

ظهرت مذابح على نطاق واسع ضد اليونانيين في منطقة البنطس، والتي تقول اليونان وقبرص بأنها إبادة الجماعية. في 25 شباط 1922 دمرت 24 قرية في تلك المنطقة تماماً. كتبت صحيفة أتلانتا أوبزيرفر الأمريكية: "رائحة جثث النساء والأطفال المحترقة في البنطس تأتي بمثابة تحذير لما ينتظر المسيحيين في آسيا الصغرى بعد انسحاب الجيش اليوناني." في الأشهر القليلة الأولى من عام 1922، قتل ما يقرب من 10,000 يوناني من قبل القوات الكمالية المتقدمة، وفقاً لصحيفة بلفاست الإخبارية. أقدم الأتراك على ممارسة الرق، واستعباد النساء والأطفال لخدمة نسائهم، كما قام عدد من الجنود الأتراك باغتصاب النساء.عوملت منظمات الإغاثة الأمريكية بأقل احترام، حتى عندما كانوا يساعدون المدنيين المسلمين. كتبت صحيفة كريسشان ساينس مونيتور أن السلطات التركية منعت أيضا المبشرين وجماعات الاغاثة الإنسانية من مساعدة المدنيين اليونانيين الذين أحرقت بيوتهم، حيث تركت السلطات التركية هؤلاء الناس للموت على الرغم من وفرة المساعدات. كتبت كريسشان ساينس مونيتور: "إن الأتراك يحاولون إبادة السكان اليونانيين بشدة أكبر مما كان يمارس تجاه الأرمن في عام 1915".

ووفقا لخطاب في عام 2002 من قبل حاكم نيويورك حينها (حيث يقيم عدد كبير من السكان الأمريكيين من أصول يونانية) جورج باتاكي (من أصل مجري، تحمل اليونان من آسيا الصغرى قسوة لا حد لها خلال الحملة المنهجية التي أقرتها الحكومة التركية لتشريدهم، وتدمير مدنهم وقراهم وذبح مئات الآلاف من المدنيين في المناطق التي يشكلون أغلبيتها، وعلى ساحل البحر الأسود، والبنطس، والمناطق المحيطة بسميرنا، وتم نفي الناجون من تركيا، واليوم هم وأولادهم يعيشون في الشتات في جميع أنحاء اليونان.

اضطر عدد كبير من السكان اليونان لمغادرة أوطان أسلافهم في إيونيا والبنطس وتراقيا الشرقية بين سنتيّ 1914 و1922. ولم يسمح لهؤلاء اللاجئين، فضلا عن الأمريكيين اليونان ذوي الجذور الأناضولية، أن يعودوا بعد عام 1923 عندما وُقعت معاهدة لوزان. تبادلت تركيا واليونان السكان وفقًا للمعاهدة التي وقعتها الحكومتان، فانتقل المواطنين الأرثوذكس اليونان في تركيا إلى اليونان وعاد المواطنين المسلمين في اليونان إلى تركيا. كانت تلك المعادة، وفقاً لنورمان نيمارك، الجزء الأخير من حملة التطهير العرقي التي قام بها مصطفى كمال لإنشاء وطن نقي عرقياً من الأتراك، حيث اقتلع نحو 1.5 مليون من اليونانيين في تركيا في مقابل أقل من نصف مليون مسلم من اليونان اقتلعوا من ديارهم. ووفقا للمؤرخة دينا شيلتون: "أنهت معاهدة لوزان النقل القسري لليونانيين من البلاد".

أسباب توتر العلاقات

العلاقات التركية ـ اليونانية تعاني ما يكفي من الأسباب لأن تكون فاترة وتارة أخرى متوترة بسبب العوامل التارخية أيضا، اذ قضى الأتراك العثمانيون على الأمبراطورية اليبزنطية وفتحوا عام 1453 اسطنبول التي ما زال اليونانيون يسمونها بالقسطنطينية التي لم يعد يسكنها ألا 1800 من الروم الأرثودوكس الذين كانوا أصحاب هذه المدينة التاريخية.

الطاقة والمياة تفجر الخلافات بين البلدين

يعد بحر ايجة من  أهم المشكلات الرئيسية بين البلدين والقضايا المتصلة به مثل:

1 ـ تسليح الجزر القريبة من السواحل التركية

2ـ الجرف القاري

3ـ المياه الأقليمية

4 ـ المجالات الجوية

فالسواحل التركية على بحر أيجة محاطة بالعديد من الجزر اليونانية التي تقع على مسافة قريبة جدا من الأراضي التركية ابتداء من النقطة التي تنتهي عندها الحدود البرية التركية ـ اليونانية حتى النقطة التي تبدأ عندها سواحل البحر الأبيض المتوسط وهذه الجزر تنطوي على أهمية استراتيجية من الناحية الأمنية بالنسبة لتركيا. فعلى سبيل المثال تبعد جزيرة ساموس عن السواحل التركية ميلين بحريين فقط فيما تبعد جزيرة كوس 3، 5 ميل ولافسوس 4 أميال وحيث منعت أتفاقية لوزان لعام 1923 وأتفاقية باريس لعام 1947 اليونان من تسليح هذه الجزر القريبة من السواحل التركية وعددها 12 جزيرة، وهو ما لم تلتزم به اليونان اعتبارا من السبعينات بعد التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974.

أما مشكلة الجرف القاري فهي المفتاح الذي قد يساعد على أنهاء الخلافات الأخرى. وتقول اليونان أن الجزر الواقعة على مسافة أميال عدة من تركيا هي جزء لا ينفصل عن اليابسة اليونانية مما يعني أن الجرف القاري لليونان ينتهي عند أقصى الجزر اليونانية في بحر ايجة. ويكتسب مفهوم الجرف القاري أهمية أضافية لعلاقته بالثروات الأقتصادية الموجودة في قاع بحر ايجة ومنها الغاز الطبيعي. وترفض تركيا الرأي اليوناني وتحتكم ألى ميثاق قانون البحار الخاص بمنظمة الأمم المتحدة والمؤرخ في عام 1982 والذي لا يسمح لليونان أن تجمع الجزر التي يمكنها الأستفادة من نظام الأرخبيل مع جرفها القطري. كما تشير أنقرة ألى العديد من القرارات الدوالية التي تعترف للجزر بمجالات معينة للجرف القاري، فيما لم تبت محكمة العدل الدولية عام 1978 في طلب يوناني في هذا الموضوع خوفا أن يؤدي قرارها ألى حرب خطيرة بين الدولتين العضويين في الحلف الأطلسي.

أما قضية المياه الأقليمية فيبدو أنها الأكثر تعقيدا وخطورة بالنسبة للعلاقات التركية ـ اليونانية. فقد كانت حدود المياه الأقليمية لكل من الدولتين ثلاثة أميال وذلك وفقا لأتفاقية لوزان العام 1923 التي أقرت بأستقلال الجمهورية التركية. وقامت أثينا عام 1936 بزيادة هذه المياه ألى ستة أميال لترد تركيا على ذلك بالمثل.

وبذلك تحول 43، 46 في المئة من مياه بحر أيجة ألى مياه أقليمية لليونان ،فيما تسيطر تركيا على 47.7 في المئة من هذه المياه.

ومنذ سنوات تدعي اليونان أن المادة الثالثة من قانون البحار يعترف لها بحق توسيع مياهها الأقليمية ألى 12 ميلا. وترفض تركيا هذا الأدعاء وتقول أن مثل هذا التصرف يتناقض مع المادة 300 من القانون ذاته والتي تشير ألى عدم سوء استخدام الحق المكتسب ضد مصالح دولة أخرى.

وتشير تركيا ألى خطورة الموقف اليوناني لأنه في حال القبول به فأن 53.71 في المئة من مياه بحر ايجة ستتحول ألى مياه يونانية مقابل 76.8 في المئة كمياه أقليمية تركية مما سيعني أن تركيا ستضطر للأستئذان من اليونان خلال مناوراتها البحرية أو هي في طريقها ألى البحر الأبيض المتوسط.

وأما حادث الأصطدام الذي وقع اخيرا في أجواء بحر ايجة فسببه الخلاف بين الطرفين على حدود مناطق الأعلام الجوي فوق البحر المذكور.

فقد قامت المنظمة الدولية للطيران المدني في ختام الأجتماعات التي عقدت عام 1952 بوضع منطقة الأعلام الجوي بين اسطنبول وأثينا ضمن مخططاتها الأقليمية وحاولت اليونان أستغلال هذا الوضع بما يخدم مصالحها وسعت الى ابراز منطقة الأعلام الجوي على أنها الحدود التي يجب وضعها بعين الأعتبار. وأعترضت تركيا على ذلك وراجعت من أجل ذلك المنظمة الدولية للطيران المدني أكثر من مرة لكن دون أن يؤدي ذلك ألى أي نتيجة. وتقول تركيا أن الطائرات المدنية فقط ملزمة تقديم المعلومات خلال أستخدامها مناطق الأعلام الجوي لأي دولة.

ومما زاد في الأمر تعقيدا أن اليونان تقول أن مجالها الجوي في بحر أيجة هو أمتداد لمياهها الأقليمية فأعلنت هذا المجال بعشرة أميال وليس 12 ميلا كما هو في المياه الأقليمية. وهو ما تعترض عليه أنقرة التي تقول أن المياه الأقليمية لليونان هو ستة أميال وليس 12 ميلا اذ تمتنع تركيا عن تقديم خطط طيرانها العسكري فوق المياه الدولية لبحر أيجة. وهو ماي دفع الطائرات اليونانية الى التصدي للطائرات التركية العسكرية التي تحلق في أجواء البحر المذكور وأدى ذلك الى مواجهات ساخنة بين الطرفين.

ومعلوم أن "الخلافات" التركية ـ اليونانية لا تقتصر على بحر أيجة بل أنها أكثر تعقيدا لأنها تطول الجانب النفسي أيضا لأسباب تاريخية.

فما زال اليونانيون يسمون اسطنبول بالقسطنطينية التي فتحها العثمانيون الأتراك عام 1453. وهو ما يفسر الأصرار اليوناني على ضرورة الأعتراف لبطريركية الفنار للروم الأرثوذكس في اسطنبول بالهوية العالمية بأعتبارها العاصمة الروحانية للروم الأرثوذكس ولم يبق منهم في اسطنبول ألا 1800 شخص فقط.

قبرص.. 40 عاما من الصراع التركي اليوناني

تعد جزيرة قبرص ثالث أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط بعد صقلية وسردينيا، وهي محل نزاع بين الأتراك واليونانيين منذ ما يقرب من 40 عاما مضوا.

المساحة الإجمالية لقبرص هي 9.250 كم2، وتحتل قبرص موقعا إستراتيجيا متميزا، فهي ملتقى لثلاث قارات أوروبا وأسيا وإفريقيا، وهو ما جعلها مطمعا عبر التاريخ، فهذه الجزيرة خضعت للاحتلال منذ التاريخ القديم والمتوسط والحديث.

تقسيم قبرص

بلغ الخلاف التركي اليوناني أوجه في سنة 1974 عندما أمر "نجم الدين أربكان" الجيش التركي باجتياح نصف جزيرة قبرص ردًا على انقلاب عسكري عاشته الجزيرة بدعم من اليونانيين؛ مما أدى إلى تقسيم الجزيرة التي تمتلك موقعًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية في البحر الأبيض المتوسط، ما بين القبارصة اليونانيين والأتراك وتحويل دولة قبرص إلى دولتين، قبرص اليونانية التابعة سياسيًا لدولة اليونان، وقبرص التركية التي تتبع بدورها لتركيا ويُشرف الجيش التركي على حمايتها.

سبب الأزمة

تأتي قضية التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط، على قمة الخلافات التي تعوق الوصول لحل للأزمة القبرصية، حيث يشعر دوما القبارصة الأتراك أن نظرائهم اليونانيين يتجهون لاستغلال هذه الثروات من جانب واحد وحرمانهم منها.

وتساند أنقرة قبرص بهذا الصدد، حيث ترى أن قبرص اليونانية لا يمكنها المضي في التنقيب مادامت الجزيرة مقسمة، لأنه بهذا سيحرم القبارصة الأتراك من أي موارد يتم استخراجها.

وتقوم السلطات اليونانية بالتنقيب عن النفط والغاز في حقل "ليفيتان" إلى الجنوب الشرقي من العاصمة القبرصية نيقوسيا، ذلك الحقل الذي يحتوي على 1.7 مليار برميل من النفط القابل للاستخراج، و 122 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

سلسلة مفاوضات

طوال 40 عاما مستمرة المفاوضات لتوحيد الجزيرة، وخلال عام 2004 رفض القبارصة الروم خطة الأمم المتحدة توحيد الجحزيرة المقسمة.

وجرت مفاوضات في مارس/آذار 2014، ولكنها باءت بالفشل بسبب الإخفاق في الاتفاق بشأن قضايا مثل تقاسم السلطة وحقوق الممتلكات والآراضي.

وفي فبراير/شباط 2014 تبنى رئيس قبرص الشمالية، درويش أر أوغلو، ونظيره رئيس قبرص الجنوبية، أناستاسياديس، إعلانا مشتركا يمهد لاستئناف المفاوضات، التي تدعمها الأمم المتحدة.

وآخر هذه المفاوضات كانت في 17 سبتمبر/آيلول 2014، حيث تجمع الزعيمان القبرصيان في منطقة فاصلة بين شطري الجزيرة الجنوبي والشمالي، واتفقا على فتح صفحة جديدة، إلا أن هذه المحادثات فشلت بسبب انسحاب اليونان منها، نتيجة إرسال تركيا سفن حربية للمناطق التي تنقب فيها قبرص الرومية عن الغاز في البحر المتوسط.

وقالت الخارجية التركية إنها تتابع عن كثب عمليات التنقيب عن الغز الطبيعي التي تجريها الحكومة اليونانية في الشطر اليوناني من الجزيرة القبرصية، مضيفة أنها ترى أن اليونان تتصرف في موارد الجزيرة وكأنها المالك الوحيد لها، وداعية الجانب اليوناني إلى ضرورة توقيف عمليات التنقيب المنفردة.

وخلال تصريحات لرئيس قبرص الشمالية التركية، درويش أر أوغلو، أكد أن انسحاب قبرص من المفاوضات دليل واضح على عدم صدق نواياها في حل الأزمة القبرصية.

مصر .. والخلاف التركي اليوناني

وقد توتر العلاقات مؤخرًا بين البلدين الشقيقين المتخاصمين بعد قمة ثلاثية بين زعماء مصر واليونان وقبرص اليونانية لمّحوا خلالها إلى توجههم للتنقيب والاستفادة من الطاقة الكامنة في شرق الحوض بالشراكة مع إسرائيل دون إشراك تركيا، الأمر الذي علق عليه الأدميرال "بولينت بستان أوغلو" قائد القوات البحرية التركية الشهر الماضي قائلاً: "الحكومة فوضت القوات المسلحة لتطبق قواعد الاشتباك المعتمدة تجاه أي تجاوز من الأطراف المتنازعة على حق التنقيب على النفط والغاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ومن بينها قبرص اليونانية ومصر وإسرائيل".

كما اعتبرت تركيا أن قيام حكومة قبرص اليونانية بمنح تراخيص للبحث والتنقيب عن النفط والغاز في سواحل الجزيرة لشركات إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية ونوبل إنرجي الأمريكية تعديًا على حقوق القبارصة الأتراك، وردت عليه عبر إرسال سفينة "خير الدين بارباروس باشا" للقيام بمسح جيولوجي وللبحث والتنقيب عن النفط بالقرب من سواحل جزيرة قبرص، مرفقة بسفن تابعة للقوات البحرية التركية لحمايتها.

وبعد ذلك التوتر بأيام توجه "أحمد داوود أوغلو" إلى العاصمة اليونانية أثينا، حيث التقى برئيس الوزراء اليوناني "أنطونيس ساماراس" وعرض عليه وجهة النظر التركية الهادفة لتصفير المشاكل بين البلدين والانتقال من العداء إلى التحالف عبر تقاسم احتياطيات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، وكذلك إلى التشارك في بيع الغاز الروسي الذي عقدت تركيا صفقة ضخمة مع روسيا لاستيراده عبر أنابيب تمر عبر البحر الأسود وتصل إلى تركيا لتتجمع في نقطة تجميع على الحدود التركية اليونانية وتصدر فيما بعد صوب أوروبا عبر اليونان.

وإن كان من الصعب التوقع بنهاية الخلافات التركية اليونانية التاريخية المعقدة، فإنه من المعتقد أن تصل حكومة أحمد داوود أوغلو من خلال المفاوضات القائمة بين البلدين إلى صيغة اتفاق لحصر الخلاف ومنع تطوره ولفتح "صفحة جديدة من العلاقات التركية اليونانية"، حسب العبارة التي استخدمها أحمد داوود أوغلو خلال زيارته لليونان وخلال مكالمة هاتفية أجراها مع نظيره اليوناني لتهنئته بعيد الميلاد، حيث قال: "عزمنا على فتح صفحة جديدة مع اليونان، التقاء أعضاء الحكومتين في اجتماع كمجلس التعاون رفيع المستوى يعد رسالة ونموذجًا كبيرًا للغاية لشعبي البلدين، ولأوروبا والعالم، وحتى الآن نسير بشكل ناجح ومصممون على الاستمرار بذات النجاح".

رئيس وزراء اليونان عن تركيا: التعاون مع مصر ليس موجها ضد أحد

أجاب رئيس وزراء اليونان، ألكسيس تسيبراس، عن سؤال حول التعاون مع مصر وهل هو موجه ضد تركيا، بقوله إن التعاون بين مصر واليونان وقبرص، لا يتجه ضد أى دولة بالمنطقة، بل هو مثل يحتذى يجب على دول أخرى بالمنطقة أن تتخذه مثلا، قائلا: "نتطلع إلى علاقات حسن جوار حتى نضمن رفاهية منطقتنا" وأضاف رئيس وزراء اليونان، فى المؤتمر الصحفي مع الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم بأثينا، أن مصر دولة شقيقة صديقة، تمكنت من إرجاع الاستقرار، واكتشاف حقول جديدة للغاز، تستطيع أن تستفيد منها، واليونان سيعبر من خلالها أنابيب الغاز إلى اوروبا، وسيكون لنا فائدة من استغلال هذه الحقول. وتابع رئيس وزراء اليونان: حققنا خطوات كبيرة، وارجو منكم الصبر كى تشاهدون قريبا نتائج هذه المباحثات، والتضامن الفعلى بين البلدين"



 


إقرأ المزيد
Arab News Network © يرجي إرسال تعليقاتكم ومشاركتم علي البريد التالي email@anntv.tv